إلى بيروت، ومن القاهرة إلى جدة، شهدتُ صدقاً فيما يُقدّمه الناس من تساؤلات عميقة.
لماذا أستجيب بهذه الطريقة لما يحدث؟
ما الشئ المتجذر بداخلي من عائلتي، ثقافتي و تاريخي؟
كيف تشكلت شخصيتي لما أنا عليه اليوم من خلال الحب، الفقد، تحمل المسئولية، الصمت، النجاة و الانتماء؟
تظل هذه الأسئلة مرتبطة ارتباطاً حياً بما يحدث في منطقتنا العربية اليوم. ثِقل الحرب و الخوف من المجهول، الأسي والحزن والفقد حاضرين بشدة في واقعنا اليوم سواء تطرقنا للحديث عن ذلك أم لا.
أتحدث بصفتي مُنسقة العالم العربي لنهج التفهم الرحيم ® و كممارسة و مُعلمة لهذا النهج و كفرد تشكلت حياته الشخصية بعمق من خلال العيش في هذه المنطقة. أصولي الفلسطينية ترجع لتاريخ من الانتماء والتهجير و الفقد على المستوى الشخصي والجماعي. و أصولي اللبنانية تُشكل الكثير مما أعرفه عن هذه المنطقة في العالم.أما دبي، فهي وطني منذ ستة وعشرين عاماً: المكان الذي ربّيت فيه أبنائي، وبنيت فيه مسيرتي المهنية، وجمعت فيه مجتمعات من مختلف أنحاء العالم العربي والمنطقة بأكملها يجتمعون من أجل التعافي و لفهم أنفسهم و تعزيز و تعميق التواصل بينهم.

يبدو التراحم وقت الحرب و كأنه أمرا مستحيلا. فمن الممكن أن نكون متراحمين مع من نحب أو مع الناس القريبة لنا من القلب أو مع من تتشابه آلامنا مع آلامهم. وفي وجود العدوان، يتجه الإنسان بطبيعة الحال إلى مواطن الحماية. عندما يعيش الإنسان وحين يعيش الناس تحت وطأة القصف والتهجير والقلق المتواصل نحو ما يحمله الغد، يصبح القلب حارساً على نفسه و يدخل الجسم في وضعية التأهب لأي خطر و يبحث العقل عن الأمان.
و لذلك يجب أن يبدأ التراحم من واقع ما يعيشه البشر. لشخص فقد عائلته، أو يعتريه الخوف على أحبائه، أو يشهد الدمار حوله أو نشأ على مدار أزمنة من الأحداث العصيبة، فوقتها، يبدأ التراحم بالاعتراف بشدة ما تحمله. فهذا يفسح المجال للغضب و الخوف و الإرهاق النفسي الموجودين بالفعل لديه. يصبح التراحم ممارسة إنسانية أكثر من كونه مبدأ مثالي للاتباع. يكون طريقة لإبقاء التواصل مع أنفسنا، العالم من حولنا ومع إنسانيتنا المشتركة.
ولهذا الأمر، يُقدم نهج التفهم الرحيم ® شئ هام. لقد مارست هذا النهج منذ 2018 من خلال عملي الخاص و في العمل الجماعي و البيئات التعليمية ومختلف المجتمعات. ومازلت أشهد ما يحدث للناس عندما يكتشفوا ما هو كامن خلف رد الفعل التلقائي منهم و تَعَرفهم على أجزاء الخوف و الفقد و الحماية التي تبدو كأنها أصبحت جزء منهم.
هنا، ينتقل الألم عبر الأجيال من خلال حكايات العائلة، الهجرة، المسئوليات الموروثة و الضغط المستمر للمضيّ قدماً. تَعَلم الكثير منا أن يكونوا أقوياء و يرعوا الآخرين و أن يتعايشوا تحت أي ظروف قهرية. يدعونا نهج التفهم الرحيم ® أن نتعرف على آليات التكيف هذه من خلال التحلي بالفضول لمعرفة نشأة تلك الآليات، و كيف ساعدتنا على النجاة وقتها و أنها قد لا تزال تُشكل الطريقة التي نعيش بها و ننظر للحياة من خلالها و نستجيب بها لما يحدث.
كمُنسقة للعالم العربي، أشعر بالمسئولية الشديدة تجاه هذا العمل بطريقة تليق السياق العربي والثقافي بتعقيداته المختلفة. التراحم في هذا السياق يتضمن الاعتراف بالفقد، الغضب، أنماط الحماية النفسية، الحقيقة، و محاسبة النفس. بأن نتواصل مع ما هو حاضر بداخلنا و في نفس الوقت أن نكون واعيين بما يحدث حولنا.
تظل دبي بمثابة نقطة التقاء قوية لهذا العمل إذ تجمع أناساً من أنحاء العالم العربي والمنطقة ككل. لقد رأيت في هذه المدينة أثر إنشاء هذه المساحات التي تتيح للناس أن يستكشفوا أنفسهم في سياق يكرم النفس و لا يهينها. هناك حاجة ماسة لمنهجيات عميقة المعني و متمرسة تحترم السياق الثقافي للناس و قادرة على مقابلة الإنسان من خلال رؤية قصته و تاريخه الأكبر الذي هو جزء منه.
هذه هي الروح الكامنة وراء انطلاقة الدورة التدريبية القصيرة لنهج التفهم الرحيم® عبر الانترنت بجانب الفعاليات و الأنشطة الأخرى المستمرة والتوسّع الإقليمي الذي يتشكّل في أرجاء العالم العربي. هذه الفعاليات تأتي بمثابة دعوة أشمل لجعل هذا العمل أكثر وصولاً وأكثر ارتباطاً بواقع مجتمعاتنا.
وبذلك، تصبح مواجهة أنفسنا وقت الحرب عمل تراحمي يشوبه الوضوح وتَحَمُل المسئولية.
هذا هو الوقت المناسب للدخول في حوار عميق عن كيفية تواصلنا مع الآخر ووعينا بالألم المتوارث الذي مازال يُشكل حياتنا.
يُقدم نهج التفهم الرحيم ® طريقة ذات معنى للبدء بصدق، وعمق، و احترام شديد للقصص الذاتية والجمعية التي نحملها.



